عمران سميح نزال

29

الوحدة التاريخية للسور القرآنية

وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا ( 73 ) ، وقوله تعالى من سورة آل عمران : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ . . ( 7 ) ، فلا يحصر معنى كلمة الآية في القرآن على المعنى الحسي والعقلي ولا على المعنى الكلامي اللغوي ، وإنما سياق النص القرآني هو الذي يدل على المعنى المراد منها ، والمعنى الحسي والعقلي يصاغ في عبارة كلامية ، والعبارة الكلامية تتضمن المعنى العقلي والحسي . والسياق في سورة النحل يدل على أن المعنى المراد من كلمة الآية هو العبارة القرآنية التي كانت تنزل مفرقة وكانت توضع حيث يأمر اللّه تبارك وتعالى الروح القدس جبريل بوضعها ، ثم يأمر جبريل عليه السلام النبيّ عليه الصلاة والسلام بوضعها في مكانها المطلوب ، ويأمر النبيّ عليه الصلاة والسلام كتبة الوحي أن يضعوها حيث أمر ، أي أن نزول القرآن مفرقا وبناء وحدات السور ، أو تبديل مكان الآيات بسبب نزول القرآن مفرقا وعلى مكث هو بقصد تثبيت فؤاد النبي عليه الصلاة والسلام كما في سورة الفرقان وسورة الإسراء ، وبقصد تثبيت الذين آمنوا كما في سورة النحل ، ولا محل للاعتراض على مكان الآيات أو تبديل مكانها لأنه من اللّه تعالى واللّه أعلم بما ينزل ، لما تقتضيه حكمة التنزيل بما نصت عليه الآية بقوله تعالى : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ ، فليس أمر هذا التبديل في مكان الآية من اجتهاد الرسول عليه الصلاة والسلام ، وإنما بما ينزل به روح القدس جبريل عليه السلام من اللّه تعالى بالحق ، فكان الرسول عليه الصلاة والسلام يأمر بوضع الآيات حيث يأمر اللّه تبارك وتعالى ، فيقول ضعوا هذه الآيات في مكان كذا وكذا أو في الموضع الذي يذكر فيه كذا أو كذا ، وهو ما سنبحثه في الفصل التالي ، وهو عملية تدوين القرآن الكريم المجموع على الأحجار والعسب والنخيل وغيرها .